عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
158
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
حصول المقصود وقاعدتها مبنية على ثمانية شروط : الشرط الأول : دوام الخلوة فلا يخرج عن خلوته لتفرج ولا لإزالة قبض ولا لسآمة وملالة ولا لداعية من دواعي الهوى والنفس . بل يكون خروجه ضرورة في الدين كالتوضوء وصلاة الجماعة . الشرط الثاني : دوام الوضوء . فليحافظ على الوضوء ولا يمكث سويعة ما على الحدث . قال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن » « 1 » فإذا غلبه النوم واستيقظ وتعار جدد الوضوء ، ويستحب الوضوء عند غلبة النوم وإن كان على وضع لا ينقض النوم طهارته على بعض المذاهب ، فإن الوضوء على الوضوء نور على نور فأما إذا توضأ من غير علة بل من كسل النفس وطلب الاستراحة فذلك مكروه يجتنب عنه . الشرط الثالث : دوام الصوم والتقليل مستحب للمريد وغيره فإنه ما ملىء وعاء شرا من بطن آدمي . قال عيسى ابن مريم للحواريين : أجيعوا بطونكم لعلكم ترون ربكم بقلوبكم . ولا شك أن القالب يستمد من الغذاء والقوى الطبيعية المودعة في الكبد لأمر الغذاء هي جند الشيطان وحزبه ، فإذا وجد حظا وافرا من الغذاء قويت بذلك دواعي النفس واستولت ظلمتها على القلب واستتبعت القوى الطبيعية القوى النفسانية يلزم منها استيلاء النوم وظهور كلالة الحواس وكدورتها ، وإذا قلل الغذاء ذبلت قوى النفس ودواعيها فلا تحتاج القوى الطبيعية في هضمها الغذاء إلى استتباع غيرها فلا يمنع الفكر والعقل عن التصرف في مدركاتها . . والسر في ذلك أن أمر التغذية للإنسان هو المرتبة النباتية والاشتغال بالشهوات هو المرتبة الحيوانية فالمقبل على الغذاء لأجل الزيادة في البدن هو الغالب عليه النباتية والمقبل على الشهوات لأجل قضاء الوطر هو الغالب عليه الحيوانية وكلاهما اندرجا تحت قوله تعالى : أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [ الأعراف : 179 ] قال اللّه تعالى : ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 3 ) [ الحجر : 3 ] فالعاقل الطالب الذي خاض في هذا الأمر ورام نحو الكمال لا يأكل إلا لضرورة سد الرمق وبقاء المهجة ، فإذا سكن جوعه بنخالة اغتذى بها واقتصر عليه وما التفت إلى شيء فيه حظ النفس وشغل الباطن ، فإذا علمت أن تقليل الطعام أصل معظم هذا الباب ، فاعلم أن الإفراط في
--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ، كتاب الطهارة ، حديث رقم ( 449 ) ورواه ابن ماجة في سننه ، كتاب الطهارة ، باب المحافظة على الوضوء ، حديث رقم ( 277 ) ورواه غيرهما .